معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 114
إنّ الحاكم العادل يمكر، ومكره لا يكون إلّا خيرا، إنّه قد يمكر بالمجرمين حتّى يقبض عليهم لإقامة العدل. والمسلم الملتزم بأحكام وشرائع الدّين يمكر، ومكره يكون خيرا يبتغي به رضوان اللّه والجنّة.
واللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه يمكر، ومكره هو خير دواما، وهو خير الماكرين.
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: أي: وهم لا يعلمون أقلّ علم بتدبير اللّه عزّ وجلّ.
دلّ هذا البيان على أنّ أشقياء ثمود دبّروا في الخفاء قتل صالح عليه السّلام وأهله معه ليلا، واتّفقوا على هذا مع كبراء كفّار قومهم، وكتموا الأمر، وعيّنوا ليلة لتنفيذ ما مكروه.
إلّا أنّ اللّه عزّ وجلّ مكر مكرا آخر بهم في الخفاء، دون أيّ شعور منهم، إذ قضى بإهلال الأشقياء وإهلال جميع كفّار ثمود قبل الموعد الّذي قرّر الأشقياء قتل صالح وأهله فيه، غيلة وبياتا.
وأنفذ اللّه عزّ وجلّ تدبيره، وأنزل بالأشقياء وبسائر كفّار قومهم، وسائل تعذيبهم وإهلاكهم، وتدمير مساكنهم عليهم.
ووجّه العظة لكلّ من يتلقّى هذا البيان بخطاب إفرادي، قائلا له:
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ: أي: فانظر أيّها المتلقّي المستعدّ للاتّعاظ متفكّرا، الحالة الّتي وجدت عليها عاقبة كفّار ثمود عقابا لهم على كفرهم، وما كان منهم من مكر.
أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ: المصدر المؤوّل من"أنّ"، وما بعدها بدل من عاقِبَةُ: أي: فانظر كيف كان تدميرنا الأشقياء التّسعة وكفّار قومهم أجمعين.