فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 135
وسبق في تدبّر سورة الفرقان تدبّر ما جاء في القرآن حول آيات اللّه في البحرين.
إنّ المناظر المنصف من المشركين إذ طرحت عليه أسئلة هذه المرحلة الثانية من مراحل المناظرة، وعرضت عليه الأدلّة العمليّة المثبتة للحقّ، لا بدّ أن يعترف بأنّ الخالق المتقن لهذه الظواهر الكونيّة، الّتي هي آيات من آيات اللّه الكونيّة، دالّات على طائفة من الصفات الّتي لا تكون لأحد سواه، هو اللّه عزّ وجلّ وحده لا شريك له في ربوبيّته.
وحين يعترف بهذه الحقيقة، ويعلن أنّ الخالق الرّبّ لكلّ ذلك هو واحد لا شريك له في ربوبيّته يقال له:
أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ أي: بما أنّ الرّبّ الخالق واحد، وهو ما ثبت لنا بالبراهين، فهو وحده المستحقّ لأن يكون إلها، أي: معبودا، ولا يصحّ عقلا أن يكون له شريك في إلهيّته، أي: في كونه معبودا من خلقه، إذ لا يوجد في الكون كلّه من يشاركه في ربوبيّته، وهذا الرّبّ هو اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه.
عندئذ يتسنّى للمناظر المؤمن الدّاعي إلى اللّه، أن يقول بأسلوب المستفهم استفهاما تعجّبيا إنكاريا: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟!!
وفي نهاية هذا التعليم أبان اللّه عزّ وجلّ للدّاعي المؤمن أنّ أكثر المشركين لا يعلمون، فقال اللّه عزّ وجلّ: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ:
أي: بل أكثر المشركين مقلّدون لأئمّتهم وقادتهم لا يعلمون، ولا توجد لديهم الدّوافع لأن يبحثوا بأنفسهم حتّى يفصلوا الحقّ عن الباطل في قضيّتي التوحيد والشّرك، فيعلموا أنّ التوحيد حقّ، وأنّ الشّرك باطل، وأنّ جزاء الشّرك الخلود في عذاب النار يوم الدّين.