فهرس الكتاب

الصفحة 5936 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 143

أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؟ صيغة السّؤال مماثلة تماما لما جاء في المراحل السّابقة، والتّحليل الّذي سبق ينطبق هنا، ولا حاجة إلى الإعادة للقرب.

لا أحد يدّعي أو يدّعي له، أنّه هو الّذي يبدأ خلق المخلوقات، سواء أكانت أحياء، أم نباتات، أم غير ذلك، غير اللّه الخالق الرّبّ الّغيبيّ عن الإدراكات الحسّيّة، والّذي هو معلوم الوجود بالبراهين العقليّة، وتدرك العقول طائفة من صفاته الجليلة استنباطا من آثاره في كونه.

إنّ ظاهرة بدء الخلق ظاهرة متكرّرة في الأحياء ذوات الحركة الإراديّة والإدراكات على مقاديرها، وظاهرة متكرّرة في النّباتات على اختلاف أنواعها وأصنافها وصفاتها، ولهذا جاء في البيان استعمال الفعل المضارع [يبدؤ] .

والقادر على بدء الخلق المشاهد بتكرار، لا بدّ أن يكون قادرا على إعادة ما كان قد خلق بعد إفنائه له، والبرهان العقليّ في هذا كاف لإثبات هذه الحقيقة، فجاء في السّؤال التّعليميّ قول اللّه عزّ وجلّ: ثُمَّ يُعِيدُهُ توطئة لما سيأتي من إقناع، حول نبأ الآخرة الّذي يجحده الّذين كفروا لمجرّد الاستبعاد والاستغراب.

والسّؤال عن بدء الخلق يجرّ إلى استعراض بحوث علميّة واسعة ومستفيضة عن نشأة الأكوان، ونشأة الأحياء، ونشأة الإنسان، وهي تهدي بما فيها من إتقان عجيب إلى أنّ لهذا الكون كلّه خالقا عظيما واحدا أحدا لا شريك له، له كلّ صفات الكمال، وهو منزّه عن كلّ صفات النقصان.

وعندئذ فقد يندفع العاقل المنصف الرّشيد من المقصودين بالمناظرة، إلى الاعتراف بأنّ الّذي يبدؤ الخلق وهو القدير إلى إعادته، هو اللّه الذي لا ربّ غيره، وعندئذ يقول له المناظر المؤمن الدّاعي إلى اللّه: [أءله مع اللّه] ؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت