فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 149
وجاءهم علم مماثل عن اليهود الّذين كانوا يلتقونهم، وجاءهم علم مماثل أيضا عن النّصارى.
فلم يأتهم محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بعلم جديد في موضوع الآخرة، لم يكن لهم به علم سابق، بل تلاحق وتتابع علمهم به، فالتقى موروثهم مع عقائد أهل الكتاب في هذا الأمر على نبإ واحد.
فلماذا يستبعدون ويستغربون ويشكّون؟؟!
يقال لغة:"ادّارك القوم، وتداركوا، وادّركوا"أي: تلاحقوا وتتابعوا حتّى لحق آخرهم أوّلهم، فتلاقوا في مكان واحد.
وكذلك الأنباء في موضوع الآخرة وإن اختلفت بعض التفاصيل، قد تلاحقت وتتابعت مؤكّدة، قانون الجزاء الرّبّانيّ على كسب الإنسان في رحلة الحياة الدّنيا، فليس أمر الآخرة نبأ جديدا عليهم.
وقراءة: [أدرك] تدلّ على أنّ علمهم قد أدرك معرفة ما في أمر الآخرة، وهذه القراءة تدلّ على أنّ بعضهم قد بلغه هذا العلم دون تلاحق وتتابع، أما قراءة: [ادّارك] فتدلّ على أنّ فريقا آخر منهم قد وصلهم هذا العلم بتلاحق وتتابع:"أدرك الشيء"، أي: بلغه وناله.
وجاءت التعدية بحرف"في"في عبارة فِي الْآخِرَةِ وكان الظّاهر استعمال حرف الباء، للدّلالة على أنّ علمهم بالآخرة ليس علما مستوفيا كلّ العناصر الّتي يجب الإيمان بها، والمطابقة للحقّ، بل هو علم ما داخل في عموم نبإ الآخرة، وهذا دالّ على قانون الجزاء الرّبّاني، ووجود آخرة يتحقّق فيها هذا الجزاء.
فالعبارة على تقدير: بل تلاحق وتتابع علمهم بحقيقة كلّيّة داخلة في عموم أمر الآخرة، لا مطابقة لخصوص أجزاء ما يكون فيها، وأوّل هذه الحقائق قانون الجزاء الرّبّاني في آخرة غير الحياة الدّنيا.