فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 150
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها: أي: بل هم على الرّغم من تتابع هذا العلم، منغمسون في أوحال شك منفّر من الآخرة، صارف لهم عن الإيمان بها، يستمسكون بخيوط عنكبوتيّة من الشّكّ، ولا يعبؤون بما لديهم من حبال متينة من العلم الواصل إليهم من جهات متعدّدات.
والّذي ينفّرهم من الإيمان بالآخرة، تعلّقهم بزينات الحياة الدّنيا، وما لهم فيها من شهوات وأهواء.
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ: أي: بل هم من نفورهم من الآخرة، تعلّقا بزينات الحياة الدّنيا وأهوائهم وشهواتهم الّتي تتحقّق لهم فيها، عمون عن الحقيقة لا يدركونها ببصائر سليمة الرّؤية.
عَمُونَ: جمع"عم"بمعنى"أعمى"أي: هم عمون عن رؤية الحقّ، والاهتداء بآياته ودلائله، وعمون عن رؤية أنوار آيات اللّه البيانيّة والفكريّة والوجدانية والكونيّة.
والعمى أنواع، فمنه ما هو في البصر الظّاهر، ومنه ما هو في القلوب والبصائر، وهكذا كان أئمّة وكبراء كفّار قريش.
"من"في عبارة: مِنْها متعلّقة بمحذوف مقدّر، وتقديره فيما ظهر لي: بَلْ هُمْ لنفورهم مِنْها عَمُونَ أي: لأجل نفورهم منها عمون، وآثرت تقدير كلمة"النّفور"لاستعمالها بشأنهم في سورة (الفرقان/ 25 مصحف/ 42 نزول) في قول اللّه عزّ وجلّ:
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا (60) .
يقال لغة:"نفر من الشّيء"، أي: أعرض، وصدّ، وابتعد مدبرا، كحالة المذعور الشّارد، أو المتمنّع المتراجع بحران.