فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 154
بالحسنات والسّيّئات، وأنّ اللّه ربّهم الّذي وضعهم موضع الامتحان لا بدّ أن يجزيهم على ما قدّموا في رحلة الحياة الدنيا من خير وشرّ، وأنّ من لم ينل جزاءه في هذه الحياة الدّنيا فلا بدّ أن يناله في ظروف حياة أخرى، لأنّ البارئ جلّ جلاله حكيم، عدل، جواد كريم، لم يخلق خلقه في الحياة الدنيا عبثا.
سِيرُوا فِي الْأَرْضِ: أي: سيروا باحثين عن آثار الأوّلين في الأرض. يقال لغة:"سار، يسير، سيرا، وسيرة، وتسيارا، ومسارا، ومسيرة"أي: مشى.
فَانْظُرُوا: أي: فانظروا نظرا بصريا إلى الآثار، ونظرا فكريا لاستنباط العبر من العقوبات الرّبّانيّة الّتي تدلّ عليها الآثار، وإدراك أنّ سنّة اللّه في عباده واحدة، فما كان من عقوبات اللّه للمجرمين الأوّلين، سيجري نظيره للمجرمين الآخرين، متى تطابقت الأمثال، واقتضت الحكمة إنزال العقاب المعجّل، وإدراك أنّ الجزاء بالعقاب وبالثواب من قوانين اللّه ربّ العالمين الثّابتة الّتي لا تبديل فيها ولا تغيير لها، لأنّها من مقتضيات كمال صفاته الجليلة.
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ؟"كيف"اسم استفهام مبنيّ على الفتح في محل نصب على أنّه حال، أي: على أيّة حال كانت عاقبة المجرمين الأوّلين.
عاقبة عمل العامل: الجزاء الذي يكون بعده.
والمعنى: فانظروا بأبصاركم وتفكّروا بعقولكم مستنطقين الآثار، سائلين سؤال تدبّر: كيف كان جزاء المجرمين الأوّلين؟
إنّ الآثار المشهودة بالأبصار، والاستنتاجات العقليّة الّتي تجزم بها الأفكار، تقدّم لأولي الألباب العظة والاعتبار، مؤكّدة أنّ قانون الجزاء