فهرس الكتاب

الصفحة 5950 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 157

أي: فلا تجعل نفسك (المراد بها هنا الرّوح) تذهب من جسدك بالموت، بسبب توالي الحسرات وشدّة الأحزان فيها من أجل الّذين اختاروا لأنفسهم الكفر بما أوجب ربّهم عليهم من إيمان وعمل صالح يرضيه، دون أن تكفّها بالتّسليم التّامّ للّه في تدبيرات كونه، والتّسليم التّامّ لحكمته في قدره وقضائه وتصاريفه في عباده.

وقد سبق تدبّر هذه الآية في موضعها من سورة (فاطر) .

ونلاحظ في هذه الآية أنّ اللّه عزّ وجلّ أوصى رسوله بأن لا يحزن حزنا شديدا مميتا بحسب نظام الأسباب والمسبّبات، ومعلوم أنّ النهي عن الحزن القاتل لا يتضمّن النّهي عن الحزن غير القاتل.

(2) ثم أنزل اللّه عزّ وجلّ عليه قوله في سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) :

لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) .

فأوصى اللّه عزّ وجلّ رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية بأسلوب لا نهي فيه، ولكن فيه رائحة الاستفهام العتابي، مع التوجيه المشدّد أن لا يحزن من أجل خوفه ألّا يكونوا مؤمنين.

والمعنى: ألا تشفق على نفسك يا محمّد، من أن تعرّضها دون شعور منك لقتل سريع بسبب الهمّ والغمّ والحزن، من أجل قوم لم يشفقوا على أنفسهم من عذاب ربّهم الّذي أوعدهم به؟!

ويظهر أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد خفّف من حزنه عليهم، طاعة لربّه في الوصيّة الّتي جاءت في سورة (فاطر) إلّا أنّ حزنه ما زال شديدا يعاوده آنا فآنا بشدّة، إلّا أنّ آية (الشعراء) لم تنه عن كلّ الحزن أيضا، بل عن شديده القاتل احتمالا قتلا سريعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت