فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 158
وقد سبق تدبّر هذه الآية في موضعها من سورة (الشعراء) .
(3) ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ قوله لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) .
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ... (70) .
فأوصاه بهذا النّهي أن لا يحزن عليهم حزنا ما، فهم ليسوا أهلا لأن يحزن عليهم.
(4) واستبعد الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن فكره ونفسه كلّ بواعث الحزن، لكن بقيت لديه بقايا من الحزن على بعض كبراء قومه من أهل المال والسّلطان، إذ كان يرى أنّ إيمانهم وإسلامهم يجرّ إلى الإيمان والإسلام أتباعهم الكثيرين من قومه، فكان هذا دافعا يبقي لديه بقايا من الحزن، حرصا على إسلام أتباعهم الكثيرين.
فأنزل اللّه عزّ وجلّ عليه قوله في سورة (الحجر/ 15 مصحف/ 54 نزول) :
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) .
فدلّت عبارة: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ على أنّهم من كبراء قومه، ذوي المال والجاه والأنصار والأتباع.
وكلّ دارس لسيرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يدرك أنّه قد كان شديد الحرص على إيمان كبراء مشركي مكّة وإسلامهم، إذ يسلم بإسلامهم أتباعهم وأنصارهم وكثير آخرون من قومه، فحزن الرّسول في هذه المرحلة من أجل انتشار الدّين، لا من أجل أشخاص هؤلاء الكبراء المعاندين.
ومن خلال هذا التّصوّر ندرك الغرض من قول اللّه لرسوله إبّان نزول سورة (الحجر) : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ.