فهرس الكتاب

الصفحة 5954 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 161

فأوصى اللّه المؤمنين إذا تمكّنوا من أعدائهم وظفروا بهم أن يكونوا عادلين، فيعاقبوا بمثل ما عوقبوا به دون زيادة، ورغّبهم بأن يصبروا فلا يعاقبوا، ليقدّموا أحسن الأمثلة عن معاملة المؤمنين المسلمين لظالميهم، وفي هذا دعوة عمليّة صامتة للدّخول في الإسلام.

ويظهر أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد مسّ نفسه شيء من الحزن، من أجل الّذين قتلوا وهم كافرون في بدر، من عقلاء قومه، وذوي الحكمة، والرّأي فيهم، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم شديد الرّغبة في أن يكونوا مؤمنين مسلمين ليعزّ اللّه بهم الإسلام، فقال اللّه عزّ وجلّ له: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ: أي: لو كان في قلوبهم خير كما تظّنّ فيهم، لألهمهم ربّك الرّشد، ولآمنوا وأسلموا ولو قبيل أن يقتلوا.

ودلّت عبارة: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ على أنه ما زال في مكة بعد معركة بدر أعداء يمكرون مكرا شديدا، لكنّ اللّه عزّ وجلّ متولّيه وناصره. وقد ظهر مكرهم هذا في غزوة أحد، ثم في غزوة الأحزاب.

(8) ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ في أوائل العهد المدنيّ قوله في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول) .

وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ... (176) .

والّذي أراه أنّ هذا النّصّ نزل في المنافقين الّذين كانوا يتظاهرون بأنّهم مؤمنون مسلمون، إلّا أنّ أعمالهم كانت تدلّ على أنّهم يسارعون في سبل الكفر، لا أنّهم مجرّد عصاة.

سارع في كذا: أي: أسرع بهمّة ونشاط.

وسلوك هذا الصّنف من الناس يحزن الرّسول والصّادقين من المؤمنين، لأنّه يحدث خللا في صفوفهم، وتوجّسا من تعاظم نوامي الشرّ والفساد في جماعتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت