فهرس الكتاب

الصفحة 5956 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 163

يمكره أعداؤه، طلبا للأمن والحماية، وردّ مكر أعدائه إلى نحورهم.

وهذه الأمور الدّاخليّة تشكّل ما يشبه الحزام الضاغط عليه من الدّاخل، فيشعر بضيق داخليّ يضغط على نفسه، وقد يصل إلى قلبه، فإلى عمق فؤاده، إذ يحسّ بأنّه محاصر من كلّ جانب، ولا ينفرج عنه هذا الضّيق إلّا إذا أحسّ بالأمن والسّلامة، واطمأنّ إلى أنّ مكر عدوّه مردود عليه.

وأعظم ما يفرغ على النّفس والقلب الأمن والطّمأنينة، أن يأتيه علم من اللّه الّذي بيده ملكوت السّماوات والأرض، بأنّه حاميه وحافظه، وراد عنه مكر عدوّه، ومحبط كيده.

وقول اللّه عزّ وجلّ لرسوله: وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ يدلّ بأسلوب الكناية على أنّه حاميه وحافظه وراد عنه كيد أعدائه، فليكن مطمئنا من أمره، فاللّه ناصره.

هذا التأمين الرّبّانيّ يبعد عن قلبه ونفسه كلّ ضيق مهما كان شديدا، لأنّه تأمين من عليم حكيم قدير، لا يعجزه ممكن الإيجاد، قوله حقّ ووعده صدق، إذا أراد شيئا فإنما يقول له: كن فيكون.

وهذه الوصيّة التأمينيّة قد أوصى اللّه عزّ وجلّ بها رسوله في أوائل العهد المدني، وهي في النّصّ المدنيّ المضموم إلى سورة (النّحل) المكّيّة للإشعار بأنّ أصحاب هذا المكر أعداء مكيّون، فقد جاء في الآية (127) منها قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله: ... وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ وقرأ ابن كثير: [في ضيق] كما قرأ في نظير هذه العبارة في سورة (النمل) .

ومعلوم أنّ مكر أعدائه المكّيين بعد هجرته إلى المدينة قد كان إعدادا لقتال حربيّ في غزوات، ولا سيّما بعد أن نزلت بهم قاصمة ظهر، في غزوة بدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت