فهرس الكتاب

الصفحة 5996 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 203

وقد جاء النّطق بها مرّتين بعد هذا في النّصّ في: فَقُلْ إِنَّما أَنَا وفي: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ.

إنّه لمّا كان الدّعاة البشريّون الّذين يدعون إلى مبادئ وأنظمة هم يضعونها، ولا يطبّقونها على أنفسهم، بل يحملون النّاس على تطبيقها لمصالحهم، كان من واجب الدّعاة إلى اللّه وفي مقدّمتهم الرّسول أن يعلنوا أنّهم مأمورون من ربّهم بعبادته، ومأمورون كسائر النّاس بأن يكونوا من المسلمين للّه.

ولمّا كان مشركو مكّة يعظّمونها ويعتقدون أنّ اللّه جعلها حرما حراما لا ينفّر صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا يقطع شجرها، ولا يتعرّض فيها لأحد بأذى أو ضرّ، بل يؤمّن داخلها، وكان المشركون مع اعتقادهم حرمة هذه البلدة، يخالفون معتقدهم فيتّعرّضون للرّسول ولمن آمن به بالأذى والتعذيب والاضطهاد، في الأنفس والأرزاق، كان من الحكمة في أساليب الدّعوة أن يعلن الرّسول لهم، أنّه مأمور بأن يعبد ربّ هذه البلدة الّذي حرّمها.

وبدهيّ أنّ اللّه ربّ هذه البلدة هو الآمر له بهذا، أي: فأطيعوا ربّ هذه البلدة الّتي تفتخرون بأنّكم أهلها وحماتها على سائر قبائل العرب، والّذي أكسبكم هذا المجد الموروث من عهد النّبيّين الرّسولين إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السّلام، ومن طاعتكم لربّ هذه البلدة أن تؤمنوا برسوله، وبالقرآن الّذي ينزّله عليه، وأن تتّبعوه مسلمين للّه ربّكم، لا مستكبرين ولا متّبعين لأهوائكم، وتقاليدكم العمياء، وعابدين لأوثان لا تنفعكم ولا تضرّكم بشيء.

هذه المعاني كلّها تفهم من اللّوازم الفكرية لقوله لهم.

إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وفي هذه العبارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت