فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 204
حصر وقصر بالأداة إِنَّما والمعنى: ما أمرت من قبل اللّه الّذي أرسلني رسولا للعالمين، إلّا بأن أعبد ربّ هذه البلدة مكّة، الّذي جعلها بلدة محرّمة، ذات حرمة عظيمة عنده، وهو الّذي جعلني نبيا ورسولا للنّاس أجمعين، فأنا أوّل المأمورين بعبادته من هذه الأمّة الّتي هي خاتمة الأمم، وأنا لها خاتم الأنبياء والمرسلين.
هذه الإضافات على العبارة معروفة من دلالات نصوص سابقة، فهي منسحبة في التّصوّر على كلّ بيان لاحق.
عبارة رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ تعبّر عن جزئيّة من جزئيّات ربوبيّة اللّه لكلّ شيء، لأنّه هو الخالق لكلّ شيء، والمتصرّف بصفات ربوبيّته في كلّ شيء، إيجادا وإعداما، وتغييرا، وزيادة ونقصا، وتحريكا وتسكينا، وإمدادا بالبقاء، إلى غير ذلك من تصاريف ربوبيّته لكونه.
ولهذا جاء في القرآن المجيد بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ*- ورَبُّ الْعَرْشِ*- رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ - بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ - ورَبِّ الْعالَمِينَ*- فهو جلّ جلاله ربّ كلّ شيء في الوجود.
الَّذِي حَرَّمَها: أي: الّذي جعلها بلدة حراما، وجاء في القرآن ذكرها بعنوان الْبَلَدِ الْأَمِينِ. ويظهر معنى كون مكّة بلدا حراما ممّا ورد بشأنها عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
(1) روى البخاري ومسلم عن عبد اللّه بن عبّاس رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكّة:
"إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام"