معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 622
ومن أراد أن يحسن سياسة مملكته النفسيّة ليكون إنسانا مثاليّا، أو سالكا في مدارج الإنسان المثالي، فليوزّع السلطات في داخل نفسه وفق القانون الطبيعيّ السابق، وعليه في هذا أن يسلّم السّلطة التشريعيّة إلى القدرات الفكريّة المهديّة بالهداية الرّبّانيّة، وأن يباعد بين هذه القدرات وبين مؤثرات الأهواء والشهوات والغرائز والدوافع النفسيّة، حتّى لا تجنح بها عن صراط الحقّ والعدل، وعليه أن يطلق قدراته التفكيريّة في ميادين البحث عن الحقائق، ويثير فيها الشوق إلى الوصول إليها، وكلّما وصلت إلى طائفة من شرائع الحقّ والعدل الرّبانيّة، فيجب عليه أن يؤمن بها، ويجعلها موجّهة لإرادته المالكة للسّلطة التنفيذيّة داخل مملكة ذاته.
وهذه السلطة التنفيذيّة، تتعرّض لضغوط غوغائيّة من قبل جمهور الأهواء والشهوات والغرائز، الّتي تطالب بما هو زائد على أنصبتها النافعة في الحياة، لتستمتع باللّذات العاجلات، غير عابئة بالمضرّات الآجلات، الجالبات للآلام وأنواع العذاب الجسديّ والنفسيّ.
فإذا وجد من إرادته ذات السّلطة التنفيذيّة داخل مملكة ذاته ضعفا، أو ميلا للاستجابة لمطالب جماهير أهوائه وشهواته وغرائزه الجانحة عن صراط الحقّ والخير والفضيلة، صراط اللّه المستقيم، فعليه أن يمدّ إرادته بقوى تشدّ عزمها وحزمها، من مخازن الإيمان في عمق قلبه، ومن كوابح الخوف من سوء المصير، ومن دوافع الطّمع بثواب اللّه، المعجّل من ذلك والمؤجّل، وعليه أن يجعل شعاره دواما: الحقّ فوق الجميع، وعندئذ يجد من معونة اللّه جلّ جلاله ما يجعل إرادته ذات عزم يسكت صخب جماهير الأهواء والشهوات والغرائز الجانحة، ويقمع طيشها، ويلجم دوافعها الرّعناء.
والإنسان أمام جماهير أهوائه وشهواته وغرائزه الجانحة، التي تنبح