معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 344
أثبتت الآية بيان علوّ فرعون في أرض مصر، ومن المعلوم أنّ لكلّ ظاهرة في الكون سببا، فعلوّ فرعون كانت له أسباب اقتضت أن يصل إلى ما وصل إليه من علوّ، إلّا أنّ ما يتحقّق وجوده بالأسباب مسبوق بقضاء اللّه وقدره، فاللّه عزّ وجلّ هو الّذي جعل له علوّا في أرض مصر، ليبلوه ويبلو به.
وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا: أي: وجعل أهل أرض مصر، أحزابا متفرّقة، متعارضة المصالح والأهواء والأفكار.
الشيعة: الفرقة والجماعة الّتي يناصر بعضهم بعضا، والحزب الواحد، والجمع"شيع".
فدلّ هذا البيان على أنّ فرعون قد اتّخذ وسيلة:"فرّق تسد"وهذا التفريق قد كان بجعل شعب مصر، شيعا متخالفة متعادية، وأحزابا متصارعة متنافسة فيما بينها.
يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ:
أي: يعمل على جعل بني إسرائيل الّذين هاجروا إلى أرض مصر منذ أيام يوسف عليه السّلام ضعفاء، بعد أن كانوا ذوي مكانة رفيعة متميّزة بتمكين يوسف لهم فيها.
دلّ على أنّ المراد بعبارة يَسْتَضْعِفُ العمل على جعلهم ضعفاء، لا قوّة لهم في مصر تمنع عنهم الاستعباد والإذلال والاضطهاد، عبارة يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ لقد كانت هذه عادة فراعنة مصر، ضدّ الأقليّات الّتي يخشون تكاثرها. وبلوغها مبلغ القوّة المنافسة، أو المتمرّدة على سلطانهم وجبروتهم.
يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ: أي: يأمر بتذبيح مواليدهم الذّكور بعد ولادتهم وهم في سنّ الرّضاع، لئلّا يكبروا فيكثر الرجال القادرون على القتال