معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 362
للنّاس أو لرجال الأمن أنّ رجلا عابرا شهد خصومته مع المصري، فأراد أن يصالح بينهما، فدفع القبطيّ بيده دفعة واحدة سقط بها قتيلا.
فحمد موسى ربّه على أن أنعم عليه بستر ما جرى منه، ولعلّه أدرك أنّ الإسرائيليّ قد يكون في حقيقة أمره مجرما مذنبا غير صاحب حقّ كامل، فدعى ربّه قائلا:
رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) .
لكنّ موسى لم يطمئنّ قلبه لعدم اكتشاف أنّه هو الّذي قتل المصريّ في مكان ما من أسواق المدينة، فأصبح في اليوم الثاني خائفا يترقّب أقوال النّاس وإشاعاتهم، ويخشى أن يشير أحد إليه، وأنّه هو الّذي كان قد دخل أسواق المدينة في أوائل اللّيل المنصرم، قبل سقوط القتيل.
وشاءت ألطاف اللّه العليّ الحكيم أن يبتعد عن مصر إلى مدين، فأجرى مقاديره الخفيّة، فشهد في أوّل النّهار أنّ الإسرائيليّ الّذي كان طلب نصرته بالأمس، فنتج عن نصرته له سقوط المصريّ قتيلا بدفعة دفعه إيّاها بجمع يده، يستصرخه اليوم لنصرته ضدّ مصريّ آخر يخاصمه ويقاتله، فقال موسى للإسرائيليّ: ... إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) .
وأدرك المصريّون الشهود من هذا، أنّ موسى هو الّذي انتصر للإسرائيليّ بالأمس، وأنّه هو الّذي قتل المصريّ، وأخذ النّبأ يشيع.
فأراد موسى أن ينتصر للإسرائيليّ، فلمّا أقبل نحو المصريّ راغبا في أن يبطش به، قال له المصريّ:
يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) .