فهرس الكتاب

الصفحة 6171 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 379

فالمعنى: وبعد مدّة متراخية نسبيّا، ابتعد عن مكان البئر، وأوى إلى ظلّ شجرة ذات ظلّ، ليست قريبة من البئر بدليل فعل تَوَلَّى: أي: ابتعد، وربّما أدبر أيضا، أي: أعطى ظهره إلى جهة البئر، وجعل وجهه في اتّجاه مساكن البلدة، إذ لفظ تَوَلَّى يعطي أيضا معنى أدبر.

فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) :

أي: فحين وصل إلى الشّجرة وجلس في ظلّها سأل ربّه قائلا: ربّ إنّي لما سبق أن أنزلت إليّ من النّجاة من الظالمين، والوصول إلى ماء مدين، والاستظلال آمنا في ظلّ هذه الشّجرة، قد كنت فقيرا، وفي هذا ثناء على اللّه بما أنزل إليه من خير تفضّلا منه وإنعاما، وألمح بهذا الدّعاء إلى فقره إلى ما سينزل اللّه إليه من خير يترقّب توالي حصوله، ومنه تأمين طعامه وسكنه، وتزويجه من زوجة صالحة عفيفة شريفة تعفّه وتكون له سكنا.

الفقير: من كان ذا حاجة إلى شيء ما وهو غير واجد له.

وفي الكلام مطويّ يسهل إدراكه، وهو أنّ المرأتين وصلتا إلى أبيهما وأخبرتاه خبر الرّجلّ الذي سقى لهما، وليس هو من أهل مدين، بل هو رجل غريب.

قول اللّه عزّ وجلّ:

فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) :

فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ: أي: فعقب دعائه ربّه مباشرة، وجد أنّ إحدى المرأتين قد وصلت إليه عائدة برسالة كلاميّة من أبيها، ووجد أنّها تمشي مشيا رفيقا قد انضمّ بعضها إلى بعض، فكأنّها على مطيّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت