فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 383
وهذا دأب عقلاء الرّجال، أن يختاروا هم أزواجا أكفياء صالحين لبناتهم، وليس في مثل هذا الطّلب وإبداء الرّغبة منقصة لهم، بل فيها مروءة وقوّة إرادة وحسن تدبير.
وجعل مهر من يختارها منهما زوجة له أن يكون أجيرا عنده يرعى مواشيه ومصالحه ثماني سنين، ورغب أن تكون عشرا على سبيل التّفضّل منه بسنتين فوق حقّ المهر، وقد كانت مهور البنات على مثل هذا الاستئجار من الأمور المعتادة في الأمم السّابقة، فقال له: فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ: أي: فهو تفضّل من عندك، لست ملزما به.
وأبان لموسى أنّه لا يريد بهذا الاستئجار أن يشقّ عليه في العمل، فيحمّله من التّكاليف ما فيه مشقّة عليه زائدة على ما هو معلوم عرفا من حقوق المستأجر على الأجير عنده، ووعده بأنّه سيجده إن شاء اللّه من الصّالحين.
عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي: أي: على شرط أن تكون أجيرا لي تعمل بأمري.
يقال لغة:"أجر فلان ربّ عمل يأجره"أي: رضي أن يكون أجيرا له مقابل أجر أو منفعة يحصل عليها من قبل ربّ العمل.
ثَمانِيَ حِجَجٍ: أي: ثماني سنوات. حجج: جمع"حجّة"وهي تطلق على معنى سنة، فيما تطلق عليه، وهو المراد هنا.
وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ: أي: وما أريد باستئجاري لك أن أكلّفك أعمالا شاقّة عسيرة صعبة. يقال لغة:"شقّ الأمر، يشقّ، شقّا"، أي: صعب. ويقال:"شقّ فلان على فلان"أي: أوقعه في المشقّة، وهي العمل الصّعب الّذي فيه عناء.
أقول: وهذا يعتبر شرطا من شروط عقد الاستئجار للقيام بعمل ما،