فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 422
فمعنى لا يَهْدِي هنا: لا يحكم بالهداية، لأنّ الحكم لهم بالهداية لا يكون إلّا إذا كانوا في واقع حالهم مهديين، أما وهم ظالمون ضالّون، فإنّه ممّا ينافي الحكمة أن يهديهم فيحكم لهم بأنّهم مهديّون، واللّه جلّ جلاله لا يجري تصاريفه على خلاف مقتضى حكمته، وهذا من كمال صفاته.
قول اللّه عزّ وجلّ:
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)
وَلَقَدْ: أي: ونؤكّد تأكيدا شديدا أنّنا بصفات الرّبوبيّة.
وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ: أي: جعلنا القول الذي يشتمل على مطلوبنا من عبادنا في رحلة امتحانهم، يصل إلى مراكز وعيهم لمعانيه وصولا تامّا، حتّى امتلكت أذهانهم هذه المعاني امتلاكا كافيا، رغبة منّافي أن يؤمنوا إيمانا إراديّا، ويسلموا إسلاما إراديّا صادقا، ويتذكروا من معاني القول الذي وصّلناه لهم ما تدعو لتذكّره الأحداث والمناسبات والأعمال ما يجب منها فعله ويجب منها تركه، لينجوا من عذاب الجحيم، ويظفروا بجنّات النّعيم.
يقال لغة:"وصّل فلان الشيء إلى فلان"أي: أنهاه إليه وأبلغه إيّاه.
ولكن جاءت التّعدية في الآية بحرف"اللّام"لا بحرف"إلى"للدّلالة على أنّ التّوصيل لمفهومات العقائد الدّينيّة، وكبريات مطالب اللّه من عباده في رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا، لم يقتصر على إسماع آذانهم، بل بلغ إلى عمق مراكز إدراكهم الواعي للمعاني، حتّى امتلكت أجهزة التّفكير فيهم هذه المعاني، إذ من معاني اللام الجارّة الملك.
والتقدير: وصّلنا إليهم القول، وأدخلنا معانيه إلى أجهزة التفكير فيهم، حتّى صارت أشياء مملوكة لها بالتمليك الجبري، الّذي لا تستطيع