فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 425
يُنْفِقُونَ (54) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (55) :
وعد اللّه عزّ وجلّ المعنيّين بقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) بأن يؤتيهم أجرهم مرّتين، أي: ضعفين عن أمثالهم من المؤمنين المسلمين الّذين لم يجمعوا بين إيمان وإسلام صحيحين سابقين قبل بعثة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، وبين إيمان وإسلام صحيحين بعد بعثته.
وجاء هذا الوعد مبنيّا على سبب يتضمّن تحلّيهم بأربع صفات فضلى من صفات فضلاء المؤمنين المسلمين:
الصّفة الأولى: صفة الصّبر، دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: بِما صَبَرُوا أي: بسبب صبرهم."الباء"سببيّة. و"ما"مصدرية، تؤوّل مع بعدها بمصدر.
ولا يخفى ما يلاقيه مفارقو دينهم من اليهود والنصارى الّذين يسلمون، من أذى شديد من أسرهم وأهل ملّتهم، كالحرمان من الرزق، والقطيعة، وتوجيه سهام العداء، وأنواع أخرى شتّى من المصائب، وهذه تحتاج من المؤمن المسلم الصّادق صبرا عظيما.
الصّفة الثانية: أنّهم يدرؤون بالحسنة السّيّئة، دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ: أي: ويتخذون الحسنة الّتي يفعلونها، دريئة تصطدم بها السّيّئة الّتي توجّه لهم، فيدفعون بذلك الأذى والضّرّ عن أنفسهم. الدّريئة: ما يستتر به الصّياد.
يقال لغة:"درأ فلان درءا"أي: اتّخذ دريئة، ويقال:"درأ الشّيء، درءا ودرءة"أي: دفعه. ويقال:"درأ عنه الشيء بكذا"أي: دفعه عنه.
إنّ درأ السّيّئة بالحسنة من أجلّ فضائل الأخلاق الاجتماعية.