فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 433
معنى يُجْبى في اللّغة:"يجمع"وضمنّ معنى فعل"يساق"فعدّي تعديته بحرف"إلى"فصار المعنى: يجمع ويساق إليه ثمرات كلّ شيء ذي ثمرات تجمع وتساق.
مِنْ لَدُنَّا: لدن: ظرف زمانيّ ومكانيّ بمنزلة"عند"إلّا أنّه أقرب من عند وأخصّ منه. ولدن ملازمة للإضافة.
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: أي: ولكنّ واقع حال مشركي مكّة أنّ أكثرهم لا يعلمون أنّا نحن الّذين جعلنا حرم مكّة ممكّنا لهم، وتجبى سوقا إليه ثمرات كلّ شيء رزقا من لدنا.
وتابع اللّه عزّ وجلّ معالجتهم بشأن مقالتهم للرّسول:"إن نتّبعك يتخطّفنا النّاس"فأنزل في أواخر العهد المكّيّ من سيرة الرّسول الدّعويّة قوله في سورة (العنكبوت/ 29 مصحف/ 85 نزول) :
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) :
دلّت هذه الآية على أنّ النّاس من حولهم من قبائل العرب وسكّان كثير من قراهم، قد تعرّضوا للتّخطّف من قبل الغزاة، بالقتل والسّبي والنّهب والسّلب وكلّ صور وأنواع الضّرّ والأذى، وهم في مكّة آمنون بتأمين اللّه لهم، مراعاة لبيته الحرام الّذي جعله بمقاديره والطافه آمنا.
فهل من العقل والرّشد وحسن تقدير عواقب الأمور أن يؤمنوا بالباطل من الشّرك وأوثانه، وأن يكفروا بنعمة اللّه عليهم، وأن يعرّضوا أنفسهم لسخط اللّه وعقوباته العاجلة والآجلة.
وإذ تأثّر بعض الّذي آمنوا بمقالة بعض المشركين للرسول:"إن نتّبعك يتخطّفنا النّاس"فكانوا على حذر إلّا أنّ اللّه عزّ وجلّ حماهم وحفظهم، ثمّ جعلهم يهاجرون من مكّة، وآواهم في موطن هجرتهم، ثمّ