فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 434
نصرهم وأعطاهم قوّة ومنعة، كان من الحكمة التّربويّة لهم ولغيرهم، أن يذكّرهم اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه- بمنّته عليهم، بأنّ آواهم آمنين في المدينة، وأيّدهم بنصره، ورزقهم من الطّيبات، رغبة في أن يشكروه على ما امتنّ به عليهم، فأنزل جلّ جلاله في العهد المدنيّ قوله في سورة (الأنفال/ 8 مصحف/ 88 نزول) . خطابا للذين آمنوا:
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) .
قول اللّه عزّ وجلّ:
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (58) :
ذكّر اللّه عزّ وجلّ المعالجين الّذين قالوا للرسول:"إن نتّبعك يتخطّفنا النّاس"بأنّ كفرهم الّذي يستمسكون به خوفا من أن يتخطّفهم النّاس، يعرّضهم لعقاب معجّل في الحياة الدّنيا من ربّهم، وهو إهلاك جماعيّ شامل، نظير الّذي أنزله بأهل قرى من قبلهم، بسبب كفرهم، وكبرهم، وفجورهم، واتّباعهم للأهواء والشهوات.
وشواهد هذ القرى المدمّرة، الّتي أهلك اللّه كفّارها إهلاكا جماعيّا، ظاهرة في مواضع متعدّدة من الأرض، فتلك مساكنهم الّتي كانوا يسكنونها، لم تسكن من بعدهم إلّا زمنا قليلا، فلا يوجد من يحرصون على السّكنى فيها، بل عادت فدخلت في ملك اللّه العامّ لكلّ شيء في كونه.
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ:"كم"اسم ثنائي مبنيّ على السّكون، يعبّر به عن عدد مبهم القدر والجنس، فهو يحتاج إلى مميّز.
وكلمة"كم"هنا خيريّة تدلّ على عدد كثير، ومميّزها مِنْ قَرْيَةٍ: