معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 471
المقالة الرابعة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ:
تدلّ هذه النّصيحة الموجّهة لقارون من قومه وفي مقدمتهم موسى وهارون عليهما السّلام، على أنّ قارون كان شحيحا ممسكا، لا يساعد فقراء قومه وضعفاءهم ومساكينهم وذوي الحاجات فيهم، بل يتعاظم ويستكبر ويتفاخر عليهم، دون أن يحسن إلى ذوي الضّرورات والحاجات فيهم، بمال أو قول أو عمل.
يقال لغة:"أحسن الرّجل إحسانا"أي: فعل ما هو حسن، كبذل مال في وجه من وجوه الخير الّتي يبتغى بها وجه اللّه عزّ وجلّ، وكتوجيه نصيحة حسنة بقول ليّن رفيق، وكمساعدة بعمل من الأعمال الحسنة ممّا يحبّ اللّه عزّ وجلّ فعله.
وتطلق الحسنة على الصّدقة، وكلّ هذه المعاني ملائمة لحمل المقالة عليها، لكن يأتي في مقدّمتها بالنّسبة إلى قارون، دعوته إلى الإحسان ببذل مال ممّا أحسن اللّه به إليه في وجوه الخير والبّر.
ولا يرد هنا معنى الإحسان في العبادة الّذي هو المرتبة العليا من مراتب عبادة اللّه"التّقوى والبرّ والإحسان"فقد جاء تفسير هذا الإحسان في بيان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله:"أنّ تعبد اللّه كأنّك تراه".
فدعوة قارون إلى أن يحسن كما أحسن اللّه إليه، دعوته إلى فعل ما هو حسن كما سبق بيانه.
المقالة الخامسة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: .. وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) :
الفساد: التّلف الّذي يصيب شيئا ما، ويحوّله من كونه صالحا نافعا،