معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 472
إلى كونه غير صالح ولا نافع، بل ربّما يصير ضارّا كريها مفسدا لغيره من الأشياء الصّالحة.
ويشمل الفساد المادّيّات، والمعنويات النفسيّة، والمفهومات الفكريّة، فإتلاف المباني الصالحة والمزارع النافعة من الإفساد في الأرض، وتربية النّفوس على الحقد والحسد، وكيد الناس وسلب أموالهم بغير حقّ، والطّمع بما آتاهم اللّه من فضله، وإفقارهم وإذلالهم وتسخيرهم بالإكراه، واستعبادهم بغير حقّ، من الإفساد في الأرض، وطرح الشّبهات ضدّ أركان الإيمان، وأركان الإسلام، وأحكام الدّين الّذي اصطفاه اللّه لعباده، في الأخلاق، والمعاملات، والعبادات المحضة، والآداب، وغير ذلك، من الإفساد في الأرض.
هذه النصيحة الموجّهة لقارون من قبل عقلاء قومه وأهل الرّشد فيهم وفي مقدّمتهم موسى وهارون عليهما السّلام، تدلّ على أنّ قارون كان يتّخذ وسائل يحصل بها فساد في الأرض، كظلم الإسرائيليّين قومه، والعدان عليهم في أموالهم وممتلكاتهم الثابتة والمنقولة، وإذلالهم وسوقهم مسخّرين لأسياده آل فرعون، ونشر الفاحشة وأكل أموال النّاس بالباطل وتسليط بعض النّاس على بعض، بما مكّنه منه فرعون وآله من سلطان، وكنشر العقيدة الفرعونيّة الوثنيّة في بني إسرائيل، القائمة على تأليه فرعون واعتباره ربّهم الأعلى.
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) : أي: كن على حذر شديد من نقمة اللّه عليك وعقابه، فمن جعل نفسه بارادته من زمرة الّذين لا يحبّهم اللّه عزّ وجلّ بسبب كونهم مفسدين في الأرض، فقد جعلها عرضة لنقمته، وعذاب منه يخزيه ويذلّه.
وهذه العبارة قد استخدمت استخدام نظيرتها السابقة، على سبيل