فهرس الكتاب

الصفحة 6265 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 473

الكناية للتّرهيب من عقاب اللّه الشّديد ونقمته، كما عاقب المفسدين في الأرض من قبله.

قول اللّه عزّ وجلّ حكاية لما ردّ به قارون على نصائح قومه له، وما أبانه اللّه تبارك وتعالى تعليقا على مقال قارون:

قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) :

لقد كان ردّ قارون على النّاصحين له من قومه، موجّها ضدّ قولهم له: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ فقال لهم: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي: أي: لم أملك ما ملكته من أموال، ولم أحصل على ما حصلت عليه من زينات، وما أتفاخر به وأتباهى به على قومي، بعطاء أعطانيه اللّه إحسانا، بل أوتيته وحصلت عليه ضمن الأنظمة السّببيّة، الّتي تأتي ثمراتها ونتائجها مبنيّة على أسبابها، وبناء على علمي بالأسباب، واتّخاذي لها اتّخاذا حكيما، ملكت ما ملكته، وحصلت على ما حصلت عليه، فلا تقولوا لي بغباء: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ أنتم جاهلون لا تعلمون أسباب اكتساب الأموال وجمعها، ولا أسباب اكتساب المجد، والوصول إلى مراتب الرّفعة والعزّة والعلوّ في الأرض.

لقد انتفخ الغرور في صدره ورأسه، حتّى طمس بصيرته، فجعله يجحد قضاء اللّه وقدره، مستبعدا عن ذهنه أنّ اللّه هو مسبّب الأسباب بألطافه وتدابيره الخفيّة، وغافلا عن أنّ اللّه الّذي آتاه ما هو فيه، هو القادر على أن يسلبه ما آتاه، أو يهلكه فيصرفه عن الحياة الدّنيا وعن كلّ ما آتاه فيها، ويقذف به إلى عذاب الجحيم، جزاء كفره بربّه.

وجاء البيان الرّبّانيّ الحكيم كاشفا جهل هذا المغرور بذكائه وعلمه بالأسباب، إذ لم يعتبر بمن أهلكهم اللّه من قبله من كفّار القرون السّابقة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت