معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 476
إسرائيل وطرقات مساكنهم فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ولم يكن قد فعل هذا من قبل، لكنّه أراد أن يردّ على ناصحيه، بحركة عمليّة في مشهد يبهر به جمهور قومه.
فلمّا مرّ في أحياء قومه وطرقات مساكنهم، أدهش جمهور عامّة قومه، وسوادهم الأعظم، ومن المعتاد في أمثال هؤلاء في كلّ شعب وفي جماهير كلّ أمّة أنّهم يريدون الحياة الدّنيا، إذ هي المسيطرة على تصوّراتهم ومشاعرهم، واندفاعا مع دهشتهم قالوا: .. يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وتحقّق لقارون ما كان يرمي إليه من تدبيره هذا.
عندئذ أسرع أولو النّهى والعلم من بني إسرائيل بقيادة موسى وهارون عليهما السّلام، لإصلاح الإفساد الفكري والنّفسيّ الّذي أحدثه هذا الاستعراض الخادع في السّواد الأعظم من بني إسرائيل.
دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ:
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) :
أي: وانطلق الفضلاء العلماء من بني إسرائيل يبشّرون بهذه الحقيقة، في جماهير العامّة الّذين فتنوا بالاستعراض الفخم الّذي صنعه قارون.
وَيْلَكُمْ: أي: احذروا هلاككم وعذابكم، ممّا فتنتم به، إذ تمنّيتم أن يكون لكم مثل ما أوتي قارون، إنّ هذا يجعلكم تستخذون فتقلّدونه في طريقته، إذ جعل نفسه عبدا من عبيد فرعون، وكافرا باللّه وباليوم الآخر مثله، وخارجا عن دين آبائه وأجداده، دين اللّه الحقّ الذي اصطفاه لعباده في رحلة امتحانهم في الحياة الدنيا.
كلمة"ويل"كلمة عذاب.