معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 488
وهنا مستعمل في الاستقبال لأنّه أمر موعود به عند نزول النّصّ، ولم يتحقّق إلّا بعد سنين، والرّد هو الإرجاع والإعادة.
"معاد": اسم صالح لأن يكون اسم مكان واسم زمان، ولكنّ الرّدّ يقتضي هنا أن يكون اسم مكان، والمكان الموعود بالرّدّ إليه هو مكة المكرّمة حفظها اللّه وحرسها وزادها تشريفا وتعظيما.
وقد حقّق اللّه عزّ وجلّ هذا الّذي وعد به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فرجع إلى مكّة في عمرة القضاء، بعد عام صالح الحديبية، وعاد إلى مكّة فاتحا منتصرا عام الفتح، بجيش لا قبل لأهل مكّة ومقاتليها. بمواجهته وصدّه.
وقبل دخول الرّسول ومعه قرابة ألفين، لأداء العمرة التي عرفت بعمرة القضاء، بأكثر من سنة وقبل صالح الحديبية، أرى اللّه رسوله رؤيا حقّ، فيها وعد بأن يدخل المسجد الحرام ومعه عدد كثير من المؤمنين معتمرا، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة [الفتح/ 48 مصحف/ 111 نزول): لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) .
قوله اللّه تعالى:
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85) :
لمّا كان خروج الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من مكّة مهاجرا قد يجعل في نفوس المتعجّلين أصحاب النّظر القصير، الّذين لا يعلمون سنن اللّه في المجتمع البشريّ، شعورا بانتصار مشركي مكّة على الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والّذين آمنوا معه، الأمر الّذي جعلهم يتركون بلدهم ويهاجرون منها خوفا على نفوسهم من قوى أئمّة الشّرك في مكة، كان من الحكمة أن يعلّم اللّه عزّ وجلّ رسوله ما يقوله لمن يرى أنّ لديهم تصوّرات باحتمال أن يكون