معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 540
التّخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربّي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السّلام، حتّى قال: يا محمّد، إنّهنّ خمس صلوات كلّ يوم وليلة، لكلّ صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن همّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب شئيا، فإن عملها كتبت سيّئة واحدة. قال: فنزلت حتّى انتهيت إلى موسى عليه السّلام، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: فقلت: قد رجعت إلى ربّي حتّى استحييت منه"."
وروى البخاري عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما، أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
"لمّا كذّبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر، فجلا اللّه لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه".
وأقول: إنّ منّة اللّه عزّ وجلّ على رسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بالإسراء والمعراج قد كانت لكامل ذاته، الجامعة لروحه ونفسه وكلّ خصائص حياته الدّنيا، وادّعاء أنّها كانت مناما منقوض بتكذيب قريش للإسراء، إذ لو كانت مناما لم يجدوا تعلّة لتكذيبها، وادّعاء أنّها كانت بالرّوح لا بكامل الذّات خروج بالمنّة عمّا دلّت عليه النّصوص الصّحيحة الصّريحة، ولا داعي له، إذ ليس في حادثتي الإسراء والمعراج ما ينافي الجائزات العقليّة بالنّسبة إلى قدرة اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، والاشتغال بمناقشة آراء النّاس الّتي لا قيمة لها في هذا المجال، تشويش لا حاجة إليه، وفضول يعكّر صفاء الأفكار، ويهدر بلا فائدة من ثمين الأعمار.
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ: أي: لنريه بأداة بصره، ونسمعه بأداة سمعه، بعض آياتنا العظمى، وقد دلّ على المطويّ قول اللّه