فهرس الكتاب

الصفحة 6335 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 545

إذا أمعنّا النّظر في كلّ هذا وتدبّرنا ما يدلّ عليه إلماحا ظهرت لنا الحقائق التالية:

الحقيقة الأولى: أنّ اللّه عزّ وجلّ فضّل محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم، على موسى عليه السّلام، بمنّة الإسراء والمعراج وبمكالمته بالوحي إليه في السّماء السّابعة أو عند سدرة المنتهى، وبمنّة مشاهدات جليلات لبعض آياته العظمى، في مقابل منّة اللّه على موسى إذ ناداه وكلّمه بجانب الطّور تكليما، وإذ قرّبه نجيّا.

الحقيقة الثانية: أنّ اللّه عزّ وجلّ فضّل محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأن أنزل عليه القرآن المعجز الجامع لزبدة ما أنزل في كتبه السابقة، والخاتم لكتبه للناس، والمحفوظ بحفظه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- في مقابل كتاب التوراة الّذي آتاه اللّه موسى عليه السّلام، وجعله هدى لبني إسرائيل، ولهذا لم يتكفّل اللّه بحفظه.

ومعلوم أنّ القرآن المجيد أجمع لصفات الكمال من التوراة ومن كلّ كتاب أنزله على رسول من رسله.

الحقيقة الثالثة: أنّ اللّه عزّ وجلّ أعلم بني إسرائيل فيما أنزل على موسى، وربّما على غيره من رسل بني إسرائيل، بأنّهم غير صالحين لحمل رسالة اللّه للنّاس، لأنّ تاريخهم المستقبليّ الّذي سبق في علم اللّه المحيط بكلّ شيء علما، ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، أنّهم سيفسدون في الأرض حريصين على العلوّ فيها، وأنّ ذلك يكون بإراداتهم الحرّة الّتي لا مجبر لها، وبأنّ اللّه عزّ وجلّ وحكم فعدل سيسلّط عليهم إلى يوم القيامة كلّما أفسدوا في الأرض إفسادا عريضا، من يسومهم سوء العذاب.

ولهذا لم يصطفهم لهذا المجد العظيم، وهو أن يحملوا رسالة تبليغ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت