فهرس الكتاب

الصفحة 6361 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 570

(2) ويحبّ اللصّ استلاب أموال النّاس بغير حقّ، إذ يرى هذا أعجل وسيلة لاكتساب الثّروة الكبيرة، لكنّ لصوصيّته تجلب له شرّا كبيرا وعذابا أليما.

فالشيء الّذي رآه بتعجّله خيرا له، هو في حقيقته شرّ له.

(3) ويعشق شابّ غرّ إحدى الفاسقات الماجنات اللّعوب، ويطلب بإلحاح أن يتزوّجها، ظانّا أنّه إذا تزوّجها نال خيرا عظيما، ولا يسمع فيها نصح ناصح مجرّب حكيم. لكنّه ما يلبث بعد أن يتزوّجها حتّى يبكي بكاء الثكلى من الشّرّ المستطير الّذي جلبته إليه هذه الماجنة، وعلّته أنّه طلب اللّذة العاجلة، ولم ينظر إلى المستقبل الّذي حذّره منه أهل العقل والرّشد والتجارب.

فالشيء نفسه الّذي رآه بتعجّله خيرا له، هو في حقيقته شرّ له.

(4) وأكثر النّاس يحبّون لذّاتهم من الحياة الدّنيا وأنواع متاعها، ويغترّون بزيناتها، فيتركون الآخرة وما فيها من نعيم عظيم خالد، وقد يكفرون بها، فيكون ما أحبّوه من الدنيا شرّا مستطيرا، وجالبا لهم في آخرتهم عذابا كبيرا.

وفي كلّ هذا يقال للمتعجّل المغرور: طلب لنفسه الشرّ في حقيقة الأمر، بطلبه لنفسه ما رآه بتعجّله وقصر نظره خيرا له.

وأضرب مثلا قصّة أمير طلب عسلا مذابا بالماء، فدسّ فيه بعض أعدائه سمّا قاتلا، فشربه متلذّذا به.

فقال أعرابيّ فصيح علم بالأمر شعرا:

من سيحمي نفس الأمير وقد ... شرب السّمّ شربه العسلا

أي: شرب السّمّ في حقيقة الأمر شربه العسل في ظنّه واعتقاده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت