معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 574
بينهما محكم التدبير، وسبح في مدار لا تحيد عنه دقيق المسير، أن يكونا آيتين دالّتين على ربوبيّتنا الّتي لا يشاركنا فيها أحد، وعلى عنايتنا بعبادنا الّذين جعلنا الأرض مكان سكناهم في رحلة امتحانهم في الحياة الأولى.
الآية: العلامة الظاهرة الدّالّة على أمر ما.
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً.
محو الشيء: إذهاب أثره. يقال لغة:"محت الرّيح السّحاب"أي:
أذهبته ولم تبق له أثرا.
ومعلوم أنّ اللّيل هو محو للمرئيّات عن أن ترى بالأبصار، بسبب ذهاب الضّوء الكاشف لها. لكن إذا بقي ضوء ما، أو نور ما، كنور القمر، أو أضواء النجوم، فإنّ المقدار الّذي أصابه المحو من المرئيّات هو اللّيل في الحقيقة، لأنّ اللّيل محو، وحين ينعدم كلّ ضوء أو نور كاشف فهو ليل كامل، ودون ذلك يسمّى ليلا باعتبار النّسبة الغالبة التي أصابها محو الرّؤية.
مبصرة: أي: مسبّبة لإبصار أصحاب العيون السّليمة الأشياء القابلة لأن تبصرها، قال أبو إسحاق: معنى:"مبصرة"تبصّرهم، وقال الأخفش:
تبصّرهم فتجعلهم بصراء، وهذا المعنى هو الملائم هنا فيما أرى.
المعنى؛ فجعلنا آية اللّيل محوا للمرئيّات عن أن ترى بالأبصار، بسبب انعدام الكاشف لها من ضياء أو نور، وجعلنا آية النّهار مسبّبة لإبصار أصحاب العيون السّليمة لها.
ولكلّ من المحو والكشف منافعه الجليلة بالنّسبة إلى الناس.
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ: هذه العبارة جاءت لبيان إمكان ابتغاء الرّزق وغيره من فضل اللّه في كلّ من اللّيل والنّهار، دون حرج، فيما أرى.