فهرس الكتاب

الصفحة 6390 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 599

(2) التّذلّل لهمتا، والتواضع بين أيديهما، تخفيفا على أنفسهما من مشاعر الضّعف والتناقص في مختلف القوى، وهي مشاعر غير سارّة بعد ما كانا عليه في شبابهما وكهولتهما من قوّة ونشاط وحيويّة، إذ يجدان في ولدهما ما فقداه في أنفسهما، فقال اللّه عزّ وجل للولد: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ في هذه العبارة تشبيه التذلّل للوالدين بتذلّل الطائر حين يخفض جناحه منكسرا لفراخه أو لزوجه أو لغيرهما، ولكن أضمر التّشبيه، فلم يذكر لفظ المشّبّه به، وإنّما كنّي عنه بشيء من صفاته، وهو الجناح، وأضيف هذا المكنّى به إلى المشبّه.

وهذا على ما ظهر لي هو من التشبيه البليغ المكنّى فيه عن المشبّه به ببعض لوازمه.

فالمعنى: ليكن أيّها الولد ذلّك لوالديك، كطائر يخفض جناحه تذلّلا من الرّحمة.

الخفض في اللّغة: التواضع ولين الجانب، والميل إلى المنخفض المطمئنّ من الأرض، وهو ضدّ الرّفع.

وذكر قيد: مِنَ الرَّحْمَةِ لاستبعاد التّذلّل نفاقا ظاهريّا، أو بدافع الطّمع بشيء من أموالهما، أو نحو ذلك من مصالح دنيويّة.

(3) الدّعاء لهما، إذ دعاء الولد لوالدية هو من أعمالهما، ولوماتا.

فقال اللّه عزّ وجلّ للولد: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا.

الكاف في كَما للتعليل، أي: لأجل أنّهما ربّياني حالة كوني صغيرا، لا أستطيع أن أقوم بشؤوني لنفسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت