فهرس الكتاب

الصفحة 6391 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 600

الرّحمة: الّتي يدعو بها الولد لوالديه تشمل دفع كلّ سوء عنهما وجلب كلّ خير لهما. ولا يخفى ما في جعل الوصيّة الثانية الأمر بالإحسان للوالدين والنهي عن عقوقهما من العناية العظيمة بها.

الوصيّة الثالثة: الأمر بجعل المكسوبات الإراديّة النفسيّة مكسوبات صالحات، على وفق ما هدى اللّه إليه عباده من أعمال القلوب والنفوس الإراديّة، كالإيمان الصحيح الصادق بما أوجب اللّه الإيمان به، وكالنيّات بابتغاء مرضاة اللّه من وراء الأعمال الّتي أمر بها، وكحبّ الحقّ والخير وطاعة اللّه، وكراهية الباطل والشّرّ ومعصية اللّه.

دلّ على هذه الوصيّة قول اللّه عزّ وجلّ في هذا الدّرس: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) :

لم يأت التكليف في هذه الوصيّة تكليفا مباشرا بأمر أو نهي، وإنّما جاء بأسلوب الكناية، ولم يأت بأسلوب الخطاب الإفرادي كبعض النظائر السابقة، وإنّما جاء الخطاب فيها عامّا لكلّ الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان.

المعنى: أنتم مطالبون بالإيمان، وبابتغاء طاعة ربّكم والتّقرّب إليه في نيّاتكم من وراء أعمالكم، ومطالبون بالتّسليم الكامل له في أوامره ونواهيه، وسائر تكاليفه وأحكامه، وقضائه وقدره، ومطالبون بحبّ الحقّ والخير والفضائل والمتحلّين بها، وبكراهية الباطل والشّرّ والرذائل وبغض أصحابها، ومطالبون بأن لا تحسدوا النّاس على ما آتاهم حسدا مذموما، ومطالبون بابتغاء مرضاة اللّه وأن تكونوا مخلصين له فيما تقومون به من برّ للوالدين، إلى غير ذلك من أعمال النفوس الإرادية، وربّكم أعلم بما في نفوسكم، وهو يجازيكم عليها بعدله أو فضله.

واعلموا أنّكم إن كنتم صالحين في نفوسكم، بإيمان صحيح صادق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت