معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 623
للخطاب، ... كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) :
وفي القراءة الأخرى [سيّئة] .
كُلُّ ذلِكَ المشار إليه جميع ما سبق في الوصايا.
سَيِّئُهُ: أي: الجانب السّيّئ منه وهو المنهيّ عنه، ومعلوم أنّ المأمور به منهيّ عن ضدّه، فسيّئه هو المنهيّ عنه وهو ضدّ الذي أمر اللّه به، فضدّ برّ الوالدين والإحسان إليهما عقوقهما، والإساءة إليهما.
وقراءة [سيّئة] تحمل على المنهيّ عنه، وعلى ضدّ المأمور به، فهو السّيئة، أي: القبيحة المذمومة.
مَكْرُوهًا: أي: غير محبوب.
فالمعنى المستفاد من قوله عزّ وجل: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) : كلّ ما جاء في الوصايا (14) السّابقة في هذا الدّرس، فالسّيء المنهي عنه بمنطوق اللّفظ أو بمفهومه مكروه عند ربّك بصفة ثابتة دواما.
فعل"كان"هنا يدلّ على الكينونة الدّائمة المستقرة.
ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ... (39) :
أبان اللّه عزّ وجلّ بهذا البيان أنّ ما جاء في الوصايا (14) هو من الحكمة في السّلوك الإنساني، وفيه دليل على أنّ التّعليمات السّلوكية الّتي جاءت في القرآن ينطبق عليها عنوان:"الحكمة"ولست أرى تخصيص عنوان الحكمة بالسّنّة النّبويّة فهما من ظواهر بعض النصوص، بل بعض ما جاء في السّنّة عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم هو من الحكمة حتما.
الحكمة: وضع الأشياء في مواضعها الملائمة لها، عملا، أو فكرا، أو معرفة وفهما وفقها، أو اعتقادا، أو غير ذلك من صور السّلوك الإرادي، أو التعليم الهادي إليه.