فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 639
الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الابتلاء، هم متعلّقون بشهواتهم وأهوائهم من الحياة الدّنيا، لا يعنيهم شيء ممّا اشتمل عليه القرآن من بيان، فممّا جبلت عليه النّفوس بخلق اللّه أن تنصرف عمّا لا يعنيها وهي مشغولة شغلا تامّا بما يعنيها، فإن كان الذي لا يعنيها مسموعا فإنّها لا تسمعه، وإن كان مرئيّا فإنّها لا تراه.
قد تسمع أذانهم أصواتا غير ذات دلالة، وقد ترى عيونهم أشباحا لا تميّز بينها.
والسّبب في ذلك وجود حجاب خفيّ من انشغالهم التامّ فيما يعنيهم، وهذا الحجاب الخفيّ المستور يحجب عن أسماعهم إدراك الأقوال الّتي تطرق آذانهم، فإذا سئلوا بعد ذلك: ماذا سمعتم؟ قالوا لم نسمع شيئا. وهذا الحجاب الخفيّ المستور يحجب عن أبصارهم إدراك ما عرض عليها، فإذا سئلوا بعد ذلك: ماذا رأيتم؟ قالوا لم نر شيئا.
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ: أصل القراءة النّطق بمكتوب على شيء بقلم ما، وبالتّوسّع في الاستعمال أطلقت على المنطوق من الكلام ولو كان استدعاء من الذّاكرة، وليشمل النّصّ ما يقرؤه من المكتوب غير الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (45) :
أي: جعلنا بينك وبين استماع الّذين لا يؤمنون بالآخرة لقراءتك القرآن حجابا مانعا من وصول قراءتك إلى أسماعهم، وهذا الحجاب مستور غير مرئي، فهو أثر معنويّ من أثار صدّ نفوسهم عن تلقّي القرآن، بسبب عدم إيمانهم بالجزاء الرّبّانيّ يوم الدّين.
والمراد بالجعل هنا ما جبل اللّه عليه النّفوس بالتّكوين العامّ، فكلّ من لم يؤمن بالآخرة وما فيها من جزاء ربّاني، ينصرف انصرافا تامّا عن