فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 650
فجاء في التّعليم: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ....
أي: قل لعبادي المؤمنين ليقولوا دواما المقولة الّتي هي أحسن في اختياراتهم لأقوالهم.
يَقُولُوا مجزوم بلام أمر محذوفة، دلّ عليها فعل"قل"وحذف هذه اللّام له شاهد من كلام العرب، وهذا أحسن الآراء النحويّة فيما ظهر لي. وله نظير في الآية (31) من سورة (إبراهيم/ 14 مصحف/ 72 نزول) .
واختير الفعل المضارع يَقُولُوا ليدلّ على مطالبتهم باختيار المقولات الأحسن في كلّ ما ينطقون به، فإذا طبّق المؤمنون المسلمون هذا الأدب الرّفيع، كان المجتمع الإسلاميّ محقّقا أرقى حضارة مثلى في مجال أدب القول، وأسلوب الخطاب، في مختلف أحوال الرضى والغضب، والوئام والخصام، واللّذات والآلام، والمسرّات والأحزان.
الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: صفة موصوف محذوف تقديره: المقولات الّتي هي أحسن من غيرها، والأمر باختيار الأحسن دواما يتضمّن حثّ المسلمين على الارتقاء في درجات سلّم الحضارة المثلى في مجال الأقوال، إذ هم مطالبون بالأحسن فالأحسن دواما.
إنّ الأمر بضبط اللّسان، والبعد عن الأقوال السّيّئة، واختيار الأحسن فالأحسن من الأقوال، من الأمور الّتي وجّهت التعليمات الإسلاميّة لها عناية عظيمة، ارتقاء بالمجتع الإسلامي في تهذيب أقوال أفراده ارتقاء حضاريّا رفيعا.
جاء في حديث رواه الترمذيّ وأحمد والنسائيّ وغيرهم من معاذ بن جبل رضي اللّه عنه، بعد أن أجابه الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن الأعمال الّتي تدخله الجنّة، قال له:
"ألا أخبرك بملاك ذلك كلّه؟".