فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 652
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا: أي: إنّ الشّيطان إبليس وجنوده من الجنّ هم أعداء دواما للإنسان آدم فذرّيّاته، وعدواتهم مبينة ظاهرة.
أمّا الإنسان المؤمن فالشّيطان حريص على أن يغويه حتّى يعصي ربّه، وحتّى يخرج من الإسلام والإيمان، ثمّ يوغل في الكفر ويكون في الدّرك الأسفل من النار.
وأمّا الإنسان الكافر فالشّيطان حريص على أن يستدرجه وينزله موغلا في دركات الكفر، حتّى يكون من أهل الدّرك الأسفل من النار.
وهذه العداوة تظهر بوضوح من خلال وساوسه في نفس الإنسان، فإنّه لا يوسوس له إلّا بشرّ وإثم ومعصية للّه عزّ وجلّ، وهذه تزلق الإنسان إلى عذاب اللّه، أفليس هذا من عداوته الظاهرة لكلّ إنسان؟؟.
وهذا النّزغ يشعر بأنّ بعض المؤمنين المسلمين سيستجيب لوساوس الشيطان، ويقع في معصية اللّه تبارك وتعالى، فاقتضى هذا أن يخاطبهم اللّه عزّ وجلّ بقوله:
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ أي: من كلّ عليم بكم إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أي:
فيغفر ذنوبكم إذا سقطتم في معصيته، بمقتضى حكمته، لأنّ مشيئته لا تفارق حكمته أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ عقوبة لكم على معاصيكم، إذا اقتضت مشيئته الحكيمة عقوبتكم.
فالمغفرة والعفو والعقاب كلّ ذلك إنّما يكون بمشيئة اللّه الحكيمة، الّتي لا يوجد في الوجود ما يلزمها أو يؤثّر عليها، فالمشيئة المطلقة المقترنة بالحكمة دواما من صفات كماله، جلّ جلاله وعظم سلطانه.
ولمّا كان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم مسؤولا فقط عن أدائه وظائف رسالته، وليس منها أن يلزم النّاس أو يجبرهم على الإيمان والطاعة، أو يحوّلهم عن