فهرس الكتاب

الصفحة 6444 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 653

تنكّب صراط ربهم، إلى الالتزام بسلوكه، قال اللّه عزّ وجلّ له: ... وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54) : أي: مسؤولا عن اختياراتهم في رحلة امتحانهم، ولا عن أيّ سلوك من واقع سلوكاتهم الإراديّة.

وكيل الرجل في اللّغة: الّذي يقوم بأمره، سمّي وكيلا لأنّ موكّله قد وكل إليه القيام بأمره.

فالمعنى: وما أرسلناك يا محمّد لتكون قائما على الناس بصفة ربوبيّتنا وكيلا عنّا على الناس، إنّما أنت مكلّف أن تقوم بوظائف رسالتك، وهي التّبليغ، والتّعليم، والتذكير، والمعالجة بالتربية والمحاجّة واتّخاذ الوسائل الإقناعيّة، وحسن قيادة من استجاب لك وأطاعك.

ولست مطالبا بتحويل النّاس من الكفر إلى الإيمان، ومن العصيان إلى الطاعة، ومن الضّلال إلى الهدى، بل كلّ واحد منهم موضوع موضع الامتحان بعد تبليغه وإجباته تجاه ربّه مسؤول عن نفسه مسؤوليّة تامّة.

ونفهم من هذا النصّ وغيره أنّ اللّه عزّ وجلّ إذ وهب الناس إرادات حرّة ليبلوهم فيما آتاهم، فإنّه تبارك وتعالى لا يسلبهم هذه الإرادات، ولا يكرههم، ولا يأذن للرّسول وللمؤمنين بإكراههم، بل يترك لهم حرّيّاتهم في اختياراتهم، لينالوا جزاءهم في الآخرة على ما اختاروه لأنفسهم مما هو خير لها، وممّا هو شرّ لها.

إنّهم موهوبون أدوات العلم والمعرفة، والإرادات الحرّة، ليكونوا مسؤولين مسؤوليّة تامّة عن اختياراتهم. وليسوا قطعان أغنام لا عقول لها حتى تكون يا محمّد مسؤولا عن حفظهم وحمايتهم، وإكراههم على الدخول في حظائر تحميهم من الذّئاب، فوظيفتك ليست كوظيفة الوكيل على قطيع من الغنم، بل أنت مبلّغ معلّم مرشد داع إلى سلوك صراط اللّه المستقيم، وعلى النّاس أن يؤدّوا واجباتهم تجاه ربّهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت