فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 654
وبعد خطاب اللّه عزّ وجلّ المباشر للمؤمنين المسلمين، خصّ اللّه رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بخطاب أشعره فيه بإلماح ضمنيّ دون أن يكون في اللّفظ ما يدلّ عليه، بأنّه قد فضّله على سائر من خلق في السّماوات والأرض، وهذا موصول بما بدأت به السّورة، وما جاء في الآيات الأولى منها من إلماح إلى تفضيل الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بالإسراء والمعراج حتّى سدرة المنتهى، ليريه من آياته، وليسمعه من كلامه وحيا من وراء حجاب في ذلك المكان الرفيع.
فقال اللّه عزّ وجلّ لرسوله:
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (55) :
أي: وربّك يا محمّد أعلم من كلّ ذي علم بمن في السّماوات والأرض، وهنا مطويّ لم يذكر، قد يدرك إلماحا من وراء سحاب، من قبل بعض المتدبّرين وبالنّظر إلى السّياق، أي: وبعلمنا بكلّ من في السماوات من ملائكة، وكلّ من في الأرض من ملائكة وإنس وجنّ، فضّلناك عليهم جميعا، إذ آتيناك ما لم نؤت أحدا منهم من تكريم وتشريف.
وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ كما فضّلناك على جميع من خلقنا في السّماوات والأرض.
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا أي: ومن أمثلة تفضيل بعض النبيّين على بعض أنّنا آتينا داود زبورا فضّلناه به على كثير من أنبياء بني إسرائيل الّذين لم نؤتهم كتبا.
والزّبور الّذي آتاه اللّه عزّ وجلّ داود عليه السّلام كتاب حكم ومواعظ ونصائح، ومناجاة للّه وتضرّع ودعاء، وتمجيد وتقديس له وثناء،