فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 656
أمّا الآلهة من دون اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- فإنّها آلهة باطلة، إذ هي إمّا أوهام، أو لها وجود ولكنّها عاجزة عن إجابة من يدعوها وإيتائه سؤله.
وليس في الوجود كلّه إله ربّ يجيب دعاء المضطر إذا دعاه غير اللّه الواحد الأحد، الّذي لا ربّ غيره، فلا إله بحقّ سواه.
ولهذا جاء في البيان الرّبّانيّ بعد هذا التّعليم، قول اللّه عزّ وجلّ:
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا (57) :
الْوَسِيلَةَ: أي: المنزلة ذات القرب من اللّه، وهذه الوسيلة تنال بالتّقرّب إلى اللّه بالأعمال الصّالحة من محابّه جلّ جلاله.
ومنازل القرب من اللّه عزّ وجلّ على درجات بعضها أرفع من بعض، وكلّ ارتقاء فيها يزيد العبد قربا من ربّه، وكلّما اجتهد العبد للتّقرّب إلى اللّه بالأعمال الصّالحة، ازداد ارتقاء في درجات الوسيلة قربا من اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه.
فالمعنى: أولئك الفضلاء رفيعوا المنزلة عند ربّهم، هم الّذين يستجيب اللّه لهم من عباده إذا دعوه، وهم الّذين ينتفعون من دعائهم إلههم، لأنّ إلههم هو الإله الحقّ، إذ هو ربّ كلّ شيء، القادر على فعل ما يشاء، وهو الذي يجيب دعاء من دعاه ويؤتيه سؤله ضمن مقتضى حكمته، أو يعطيه خيرا ممّا سأل.
أشار إليهم باسم الإشارة الموضوع للمشار إليهم البعيدين"أولئك"للدّلالة على ارتفاع منزلتهم عند ربّهم، بإيمانهم، وصدق إسلامهم، وباجتهادهم فيما يقرّبهم إليه من الأعمال الصالحة.