فهرس الكتاب

الصفحة 6448 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 657

وقد وصفهم اللّه في هذه الآية بصفات ثلاث:

الصّفة الأولى: أنّهم يبتغون إلى ربّهم الوسيلة، باجتهادهم في صالحات الأعمال التي تجعلهم أقرب فأقرب منزلة من ربّهم، وبتسابقهم في فعل الخيرات يظهر أيّهم أقرب من ربّه منزلة.

يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ: أي: يطلبون إضافة إلى ما آتاهم ربّهم من فضله، المنزلة ذات القرب منه، باجتهادهم بنوافل العبادات والقربات، ومعلوم أنّهم باجتهادهم يسابقون، وبما أنّ المتسابقين من العبّاد لا بدّ أن يكونوا متفاضلين فيما بينهم، فلا بدّ أن يكشف تسابقهم أيّهم أقرب فأقرب منزلة من ربّه.

يبتغون: أي: يطلبون.

أَيُّهُمْ أَقْرَبُ؟ استفهام عن الأقرب يشعر بأنّ العبد كلّما كان أقرب منزلة من ربّه بمجاهدته، كانت أدعيته لربّه أسرع استجابة وأكثر قبولا، وآتاه اللّه سؤله، ولو لم يكن مضطرّا، فدلّت هذه العبارة باللّزوم الفكري على تسابقهم في التقرّب إلى اللّه، وتفاضلهم في القرب.

والمعنى: أيّهم أقرب فهو أسرع استجابة، وأكثر قبولا عند ربّه.

وما ظهر لي في هذا البيان القرآنيّ المختزل، جاء بيانه صريحا واضحا في حديث قدسيّ صحيح، رواه البخاريّ عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:

"إنّ اللّه تعالى قال: من عادى لي وليّا فقعد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به، ويده الّتي يبطش بها، ورجله الّتي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، وإن استعاذني لأعيذنّه، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت