فهرس الكتاب

الصفحة 6451 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 660

أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا: أي: أو سنعذّبها عذابا شديدا دون عذاب الاستئصال. وهذا يدلّ على أنّ القرى الّتي سيعذّبها لا تبلغ مبلغ عذاب الاستئصال بالإهلاك الشامل، وهذه ربّما تكون مسلمة، إلّا أنّ كثرة معاصيها من دون الكفر قد جعلتها تستحقّ أن ينزل اللّه بها عذابا شديدا، ولو كان هذا العذاب بأيدي النّاس من الجبابرة أو الكفرة، وهذا العذاب قد وجدنا أمثلة كثيرة منه، في تاريخ النّاس، وفي بلدان المسلمين، فكم تعرّض المسلمون لعذاب شديد في قراهم وعواصمهم الكبرى على أيدي أعدائهم الكفرة، ولو كانوا من أعراقهم وأقوامهم والنّاطقين بلغاتهم.

فلا حاجة بعد هذا الفهم لتخصيص لفظ"قرية"في عبارة: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ بوصف:"كافرة"فالتعميم في العبارة يشمل القرى الّتي يكون أهلها كافرين، والقرى الّتي ينتمي أهلها إلى الإسلام، فقد سبق في علم اللّه أنّ كلّ مجمّع سكنيّ للنّاس، سيمرّ أهله في مستقبل تاريخ البشريّة في مرحلة يكونون فيها كافرين طغاة يستحقّون الإهلاك الشامل، كما أهلك اللّه بعدله وجبروت ربوبيّته قوم نوح، وعادا، وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب. أو في مرحلة من التّمادي في المعاصي يكونون فيها مستحقّين أن ينزل اللّه بهم عذابا شديدا.

وهذا الذي سبق في علم اللّه بشأن مستقبل تاريخ الناس، مكتوب مسطور في اللّوح المحفوظ، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في الآية: ... كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (58) : أي: كان بيان ذلك الإهلاك أو العذاب الشّديد الوارد في الآية مدوّنا مكتوبا في اللّوح المحفوظ، من قبل أن يخلق اللّه النّاس، ويضع الممتحنين منهم موضع الامتحان الفعليّ في الحياة الدّنيا.

مسطورا: أي: مكتوبا كتابة يعلمها اللّه عزّ وجلّ. يقال لغة:"سطر الكتاب، يسطره، سطرا"أي: كتبه.

وأريد بلفظ"الكتاب"هنا في الآية، اللّوح المحفوظ، للعلم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت