فهرس الكتاب

الصفحة 6455 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 664

على وفق ما طلبوا تماما، فكان من الحكمة تعذيبهم، وإهلاكهم إهلاك استئصال.

فاللّه عزّ وجلّ لم يشأ أن يعرّض أهل مكّة البلد الحرام، لعذاب شامل، يهلكهم به إهلاك استئصال عامّ، وهم الصّفّ الأوّل من قوم خاتم رسله وأنبيائه، وفي كثير منهم قابليّة أن يؤمنوا ويسلموا بعد أنواع من العلاج الحكيم، في بضع سنين، يهلك اللّه فيها الكبراء المعاندين بجحود، الّذين يمنعون أتباعهم من الإيمان والإسلام، وهذا ما تحقّق فعلا بعد بضع سنين، ثمّ بعد فتح مكة.

فالمعنى: وَما مَنَعَنا وفق مقتضيات الحكمة، من أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ المقترحات من الخوارق المادّيّة، الّتي طلبها أهل الجحود من كبراء وأئمّة مشركي مكّة إِلَّا ما قضت به حكمتنا بعد أَنْ كشفنا للنّاس بالتّجربة أنّ المستيقنين الجاحدين لا يؤمنون، ولو أجرينا لهم الخوارق الّتي يطلبون، فقد كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ومن أمثلة المكذّبين الأوّلين أنّنا وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ المعجزة الخارقة للعادة، على وفق ما اقترحوا على رسولهم صالح، وكانت هذه الناقة مُبْصِرَةً لهم، إذ جعلتهم يدركون آية الحقّ بأبصارهم فَظَلَمُوا جاحدين بِهَا وظلموا بعقرها، فاستحقّوا العذاب الشامل المستأصل.

وبعد أن كشفنا للنّاس طبائع المكذّبين الجاحدين بتجربة كفّار ثمود، صار من الحكمة أن لا نستجيب لمطالب الكافرين التّعنّتيّة، وأن تكون آياتنا آيات تخويف على أنّنا قادرون على أن نفعل ما نشاء ... وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59) أي: وما نرسل بالآيات إلّا لتحمل للنّاس رسالة تخويف لهم بعذابنا، وهذه الآيات نختارها ونجريها بحكمتنا، ولا نجعل خرق سنننا الكونيّة ألعوبة للمتشهّين المتعنّتين الجحودين، الّذين كذّبوا رسولنا بعد أن أريناهم آيات صدقه الخوارق، وكذّبوا بكتابنا الّذي ننزّل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت