معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 666
قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله:
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ... (60) .
هذا البيان من الآية يشتمل على القضيّتين الثالثة والرّابعة، اللّتين أثار عليهما كبراء المشركين وأئمّتهم ضجيجا إعلاميّا. بغية الصّدّ عن تصديق الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، والتأثير على بعض الّذين آمنوا ولم يتغلغل بعد الإيمان في قلوبهم.
فالقضيّة الثالثة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ.
الرّؤيا: هي ما أرى اللّه رسوله من آياته ليلة أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به إلى السّماء السابعة فإلى سدرة المنتهى، وكانت رؤية بصريّة، وسمع معها كلام ربّه وحيا من وراء حجاب، فقد كان الرّسول ليلتئذ سميعا بصيرا.
الأكثر في استعمال كلمة"الرّؤيا"لما يرى في المنام من حلم، ولكن تستعمل كلمة"الرّؤيا"عند العرب لما تراه العين في اليقظة.
قال ابن برّي: وقد جاء"الرّؤيا"في اليقظة، قال الراعي:
فكبّر للرّؤيا وهشّ فؤاده ... وبشّر نفسا كان قبل يلومها
وظاهر أنّ الرّؤيا هنا بصريّة في اليقظة لا في الحلم، وعليه قول أبي الطّيّب المتنبيّ في بدر بن عمّار:
مضى اللّيل والفضل الّذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في العيون من الغمض
الغمض: النوم.