معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 699
شَيْئًا قَلِيلًا: أي: لم تمل في أحاديث نفسك إلى قبول بعض إغراءاتهم ميلا كثيرا، بل حدّثتك نفسك بأن تقبل منها شيئا قليلا رأيت أنّه من نوع المداراة الاجتماعيّة، ولا تأثير له على جوهر الدّين وأحكامه وتعليماته.
والمعنى: نؤكّد لك يا محمّد أنّك لقد قاربت ولم تفعل، أن تميل إلى بعض إغراءات كبراء مشركي مكة، في تصوّراتك وأحاديث نفسك.
شيئا: منصوب على أنّه نائب مفعول مطلق، إذ هو دالّ على بعض الرّكون."قليلا": نعت لكلمة"شيئا".
أخّر هذا التنزيل إلى العهد المدني لأنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يركن في واقع حاله إلى إغراءات كبراء قومه، وقد عصمه اللّه من ذلك.
واقتضت الحكمة تأخير إنزاله إلى العهد المدنيّ، لتيئيس الكافرين ولا سيما يهود المدينة من إغراء الرسول بالتنازل عن شيء ممّا أنزل اللّه إليه، ولتحذير المؤمنين من أن يتأثّروا بإغراءات ذوي السّلطان والقوّة والجاه، فيفتوهم بغير ما أنزل اللّه، أو يلينوا لهم بتطبيق أعمال مضادّة لأحكام اللّه لعباده.
إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (75) :
الضّعف: هو في كلام العرب على ضربين:
أحدهما: المثل.
والآخر: يكون بمعنى تضعيف الشيء بالزيادة عليه إلى مثليه وأكثر.
[إذن] حرف يقع في صدر الكلام معناه الجواب والجزاء، كما سبق بيان هذا قريبا.