معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 700
وهذا البيان المصدّر بحرف"إذن"يستدعي كلاما مطويّا لم يصرّح به في اللّفظ، ويمكن تقديره بما يلي: ولو أنّك يا محمّد ركنت إليهم شيئا قليلا، لأذقناك على معصيتك وأنت إمام المسلمين وأوّلهم طاعة وتطبيقا للإسلام، وأنت الأسوة الحسنة لهم في أقوالك وأعمالك، ضعف عذاب ذنبك في الحياة مثلين فأكثر، وضعف عذاب الممات في البرزخ بين الموت والبعث، مثلين فأكثر، وسكت النّصّ عمّا بعد البعث.
ثمّ إذا أنزلنا بك العذاب على هذه المعصية الكبيرة لا تجد لك نصيرا ينصرك علينا فيرفع عنك العذاب.
لكنّك لم تفعل شيئا من ذلك، لأنّك قاربت أن تفعل فلم تفعل، وتوكّلت علينا فثبّتناك وعصمناك.
ومعلوم أنّ ما دخلت عليّه"لو"منفيّ الوقوع، فليس في البيان إشكال ما حول عصمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
وإنّ المتدبّر المتأنّي يرى أنّ هذا البيان الذي تأخّر إنزاله إلى العهد المدني، وضمّ إلى سورة (الإسراء) المكيّة، الّتي كان كبراء مشركي مكّة إبّان تنزيلها، يوجّهون للرّسول مطالبهم الإغرائيّة الاستدراجية، لم يقصد به شخص الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنّ المرحلة قد مرّت ومضت ولم يكن منه ركون ما بصورة فعليّة، والظاهر أنّها كانت خواطر وأحاديث نفس ليست مناط مسؤوليّة ولا محاسبة، وإنّما المقصود بهذا البيان تحذير أئمّة المتّقين، وإقناع أهل الكتاب في المدينة وغيرهم، بأن يوطّنوا نفوسهم، على اليأس من أن يتأثّر الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بإغراءاتهم، وعروضهم الّتي يريدون بها إزلاقه، وإخراجه عن بعض ما أنزل اللّه عليه من تعليمات وبيانات وأحكام، وقد فعل اليهود هذا فخابوا.
لَأَذَقْناكَ شبّه اللّه عزّ وجلّ الإحساس بألم العذاب بالذّواق،