معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 723
فنجعلك لا تنساه، ولئن شئنا أن نمسحه من ذاكرتك لنذهبنّ به، فلا تستطيع أن تتلو منه سورة أو آية أو كلمة.
ثمّ إن فعلنا ذلك، فلو حاولت أن تفتري علينا شيئا غير الّذي أوحينا إليك فإنّك لا تجد في الوجود كلّه وكيلا لك علينا ذا سلطة علينا أو شفاعة بشأن القرآن، لنعيد إلى ذاكرتك ما مسحناه منها.
وقد سبق أن عرفنا في الدّرس الثالث عشر، أنّ الخطاب الموجّه فيه ظاهرا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، هو في حقيقته تيئيس بقوّة للكافرين الّذين يطالبون الرّسول بتغيير بعض ما في القرآن ممّا يكرهون، ونظيره ما جاء في هذا الدّرس الثامن عشر.
وهذا من قبيل قول الأب لابنه في نفسه: عليك أقسو يا حبيبي لييأس من الطّمع فيّ سفهاء أولاد الجيران.
اللام في لَئِنْ موطّئة للقسم المنويّ. وجملة: لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ جواب القسم.
قول اللّه عزّ وجلّ في الآية التالية:
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) :
أي: لكن ثبتناك فلم تركن إلى الّذين كفروا، وأثبتنا ما أوحينا إليك في ذاكرتك رحمة بك موجّهة من صفات ربوبيّتنا لك، فتفضّلنا عليك بتثبيتك، وبعدم مسح ما أوحينا إليك من ذاكرتك.
اختيرت عبارة مِنْ رَبِّكَ بدل ضمير المتكلّم العظيم"منّا"للدّلالة على صفات ربوبيّة اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه وفضله.
وبهذا الفهم تكون"إلّا"بمعنى"لكن"الاستدراكيّة، وهذا فيما ظهر لي أولى من اعتبارها استثنائيّة تدلّ على محذوفات مطويّات تحتاج تقديرا.