معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 724
وأبان اللّه عزّ وجلّ فضله الكبير على رسوله فقال له في الآية:
إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) : أي: إنّ فضل ربّك عليك هو دواما فضل كبير.
الفضل: الزّيادة ممّا يحمد غالبا. والكبر يكون في المادّيّات وفي المعنويّات.
كيف لا يكون فضل اللّه عليه عظيما، وقد جعله أفضل خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله، وأنزل عليه القرآن أعظم كتبه، وأكرمه بالإسراء، وبالمعراج إلى السّماوات العلا، إلى غير ذلك من خصائص.
قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) :
ظَهِيرًا: أي: معينا، يطلق لفظ"ظهير"على الواحد والجمع.
إنّ عروض المزالق التي حاول أئمّة المشركين بها إغراء الرّسول أن يبدّل ما كرهوا من آيات القرآن، ويجعل في مكانها آيات ترضيهم، تشعر بأنّهم يتوهّمون أنّ القرآن من وضع محمّد وابتكاراته وتأليفاته، وهو يقول: إنّه تنزيل ربّه افتراء عليه، فكان من الحكمة تكليفه أن يقول لهم أنا عاجز عن الإتيان بمثل هذا القرآن، إذ ليس في قدراتي ولا في قدرات جميع الإنس والجنّ أن يأتوا بمثله، وأنا أتحدّاكم يا بلغاء العرب وفصحاءهم أن تأتوا بمثله.
بل أقول لكم أكثر من ذلك: أقسم لكم: لئن اجتمعت الإنس كلّهم، مع الجنّ كلّهم، عازمين بكلّ ما لديهم من قدرات على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، في إعجازه البياني، في إعجازه العلمي، وفي إعجازه التّشريعي، وفي سائر جوانب إعجازه، فإنّهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض معينا.