معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 733
الممكن، أو ليس من المعقول، أو ليس من الحكمة، أن يبعث اللّه بشرا رسولا، ليبلّغ عنه مطلوباته من عباده، وقضايا دينه الذي اختاره لهم. فمن يدّعي من البشر أنّه رسول اللّه يحمل للناس رسالة من ربّه، هو مدّع كذّاب، له غايات ومصالح دنّيويّة من إيمان الناس بأنّه رسول اللّه.
وجاء التّعليم الرّبّانيّ للرّدّ على هذه الشّبهة، ببيان أنّ الحكمة تقتضي أن يكون الرّسول إلى البشر بشرا مثلهم، لا ملكا كما يتوهّم المعترضون على بشريّة الرّسول، فقال اللّه عزّ وجلّ لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، ويلحق به كلّ داع إلى اللّه من أمّته:
قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) :
مُطْمَئِنِّينَ: أي: ثابتين على ظهر الأرض مستقرّين، وليسوا نورانيّين لا تجذبهم الأرض بجاذبيّتها.
وفي الكلام هنا عبارة مطويّة محذوفة لفظا، مقدّرة ذهنا، تقديرها:
وكانوا موضوعين موضع الامتحان كالإنس، واقتضت الحكمة إرسال رسول إليهم من نوعهم، لنزّلنا عليهم من السّماء ملكا رسولا، لأنّ الحكمة حينئذ تقتضي أن يكون الرّسول إليهم من نوعهم ملكا، له مثل صفاتهم العامّة تماما.
وكذلك حال البشر، تقتضي الحكمة السّنيّة أن يكون الرّسول إليهم بشرا مثل سائر البشر، غرائزه مثل غرائزهم، وشهواته مثل شهواتهم، وحاجاته من الحياة الدّنيا مثل حاجاتهم، كالطّعام والشّراب والنّكاح، والعمل لاكتساب رزقه، ونحو ذلك، ليكون في إيمانه وإسلامه وكلّ سلوكاته حجّة عليهم.
فالمعنى: لو كان في الأرض ملائكة تجذبهم الأرض بجاذبيّتها،