فهرس الكتاب

الصفحة 6525 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 734

تجعلهم يمشون على ظهرها مستقرّين ثابتين، وكانوا موضوعين مثل الإنس موضع الامتحان في الحياة الدّنيا، لنزّل اللّه عليهم من السّماء ملكا رسولا، يبلّغهم تعليمات الدّين، ومطالب ربّ العالمين.

وأتبع اللّه عزّ وجلّ هذا التّعليم بتعليم آخر يختصّ بكون محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم رسولا صادقا أرسله ربّ العالمين للنّاس أجمعين، فقال اللّه جلّ جلاله:

قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) :

أي: قل يا محمّد لمكذّبي أنّك رسول ربّك: إنّ اللّه يشهد لي بأنّي رسوله، وكفى باللّه شهيدا بيني وبينكم يشهد لي.

كفى باللّه شهيدا: أي: كفى اللّه، فالباء زائدة للتّوكيد، والمعنى:

أغنى للّه حالة كونه شهيدا، طالب تثبّت من كون محمّد رسول ربّه للنّاس أجمعين.

وشهادة اللّه عزّ وجلّ لرسوله، تظهر بمعجزة القرآن المجيد، ثمّ بالآيات الخوارق الّتي آتاه اللّه إيّاها، ومنها آية انشقاق القمر، وآية الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والآيات الّتي سيؤتيه إيّاها مستقبلا، بعد إنزال هذا البيان.

وجاءت عبارة: ... إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) لإشعار المكذّبين بأنّ اللّه عليم علما تامّا بهم، ناشئا عن خبرة ورؤية نافذة إلى الأعماق، فمن يعلم أنّه بحاجة إلى التّوثّق من كون محمّد رسول اللّه، يهيّىء اللّه له ما يوصله إلى الاستيقان بأنّ محمّدا رسول ربّ العالمي، ومن يعلم أنّه مستيقن جاحد معاند، يعامله اللّه بحسب ما في نفسه على وفق مقتضى حكمته.

وبناء على علم اللّه بعباده علم خبرة ورؤية نافذة إلى أعماق السّرائر، فإنّه جلّ جلاله يحكم بهدايّة من اهتدى باختياره الحرّ، ويحكم بضلال من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت