معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 738
وبعد أن ذكر اللّه عزّ وجلّ أنّ مأواهم جهنّم، أبان السّبب الّذي استحقّوا به هذا العذاب الأليم الخالد، فقال تبارك وتعالى:
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) :
المشار إليه باسم الإشارة ذلِكَ حشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصمّا، وتعذيبهم بعد ذلك في جهنّم خالدين فيها.
وجَزاؤُهُمْ خبر ذلِكَ.
أمّا السّبب فهو يرجع إلى عنصرين:
الأول: أنّهم كفروا بآيات اللّه الكونيّة، والإعجازيّة، والبيانيّة، والجزائيّة.
الثّاني: أنّهم كذبوا بالبعث ويوم الدّين، وليس لهم إلّا التعجّب بعبارة: أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا؟. وقد سبق شرح عبارتهم هذه لدى تدبّر الآية (49) من هذه السّورة.
وبعد هذا وجّه اللّه عزّ وجلّ فقرة من فقرات علاجهم، دون أن يواجههم بالخطاب، بل تحدّث عنهم بأسلوب الحديث عن الغائبين، فقال تبارك وتعالى:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) :
دلّت هذه الآية بمقتضى العلاج فيها، على أنّ المعالجين معجبون بنفوسهم، وبما أوتوا من فطنة وقدرة على البيان، وتميّز بصفاتهم الذّاتيّة، وهذا قد جعلهم يستكبرون، وتنتفخ صدورهم بالعجب، ويقولون في نفوسهم: لا يليق بنا أن نتّبع رجلا منّا هو دوننا في المكانة الاجتماعيّة، وليس عظيما من عظماء قومنا.